أرى المستقبل
حيث نرى المستقبل

لمسة صخر

0

لمسة صخر غالية.. كم من الأشخاص قد لمسوها، وكم الأفراد اليوم حرموا من ملمسها. بدأت حكاية تلك الصخرة وجيرانها منذ مئات السنين، وتحديدا في إحدى الجزر الرملية الجميلة بجنوب الخليج العربي، حيث اجتثت تلك الصخور من أعماق البحر، بقدرة أذرع بشرية صلبة ومثابرة، التقطت تلك الأيادي صخرة بعد صخرة، وتجمعت الصخور معا في موقع واحد، موقع تحت رماله البيضاء ماء عذب، ماء حياة في مناخ حار وشمس لافحة، تلك الصخور خُلقت لتكون مصيرها الدفاع عن تلك المياه.. و وعن تلك الجزيرة  العربية الإسلامية، وأغدت بعد جهد سنين إلى أن تكون لبنة لبرج شامخ، يعلوه جند من جنود الوطن.. في زمن لم يعزف فيه نشيد للوطن، فوق هذا البرج دفاع وسلاح، كرامة وشجاعة، أبت تلك الصخور أن تهزم إلى يومنا هذا، وبقيت .. ليولد هذا الطفل ويلمسها.

بتخطيط مسبق.. ارتدى الطفل حلّة إماراتية، “الكندورة والقحفية” ليعيش جوا من البهجة التاريخية، في ساعة ما وصل إلى جوف البرج، والذي يسكن في قلب القلعة، والتي هي في قالب قصر فخم، فخامة ماض عريق.. وفخامة حاضر ملموس، تحسس الطفل بكل حواسه الخمس معنى تلك الصخور.. بعضها فوق بعض، الأنف يشتم رائحة الطين والجير، رائحة الأرض والبحر، رائحة التراب والرمل، العين ترى ألوانا ذهبية عتيقة، ألوان أصل خلقة الإنسان، واللسان يتذوق طعم الحرية والنصر، طعم الراحة بعد التعب والجهد، والأذن تطرب صفير الرياح وعزفها بين إنحناءات القصر، والأنامل الناعمة تلمس خشونة التجاويف في تلك الشعاب المتجمدة الصلبة.

في زماننا هذا.. حيث افتقد الطفل غالبا إلى ملمس الماضي.. أضحى من الواجب على كل والد ووالدة في أن يعيش أطفالهم جو التاريخ، لأنه من المخيف حقا أن يكبر جيل هذا الزمن بلا حكايات ماضية، وبلا خراريف تراثية، تخيل عزيزي القاريء أن تكون قد ولدت في هذا الزمن، ولم تر شيئا من ماضيك، لم تلمس قلعة أو حجرا منها، تخيل أنك كبرت بعدها بعقدين أو ثلاثة من الزمن، ماللذي ستحكي عنه لأبنائك؟ ماذا ستقول لهم عن الماضي؟ أعرف أنه لا شيء في جعبتك سوي الحديث عن (الشاشات) فقط.. فأنت تربيت على رؤية كل شيء في الشاشة الناعمة، أما هذا الطفل المحظوظ بالصورة.. فقد لمس ما لم تكن تعلم، وحسّ بشيء مفقود لدى الكثيرين.

قلاع صخرية بكل أرجاء دولتنا (الإمارات) تتشابه في قيمها ومبادئها، كما تتشابه في حكايات بطولاتها، يوما ما سأحكي لهذا الطفل عن القلاع.. سأحكي له عن التاريخ، مجددا.. سأجلس معه في أسفل ظلالها وأعلّمه “تكنلوجيا دروس الحياة”، تلك الدروس التي قلّت في زماننا، ولن يلمسوها في هواتفهم أو أجهزتهم “الغير ذكية”، سأحكي لهذا الطفل عن حكايا السنين، كيف للبطولة أن تقاس، كيف للكرامة أن تبنى، سأغرس فيه شيئا من الصلابة في صخور قلبه.. كي يصمد طويلا أمام عوامل الزمن القاسية.

 

اترك رد